العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

العالم . Souk Weekly

قارب الصيد التقليدي والساحل المتلاشي

بينما تعيد التنمية والبحار المحتمة تشكيل الشاطئ، تتراجع في صمت طريقة قديمة في العمل على الماء

بقلم Lena Holloway3 دقيقة قراءة

حُدِّث

The Fishing Dhow and the Vanishing Coastline. Souk Weekly world.

ظلّ المركب الشراعي الخشبي حاضراً على الدوام في مياه الخليج وغرب المحيط الهندي طوال قرون، وصورته الظلية مألوفة لأجيال اعتمدت عليه في التجارة واللؤلؤ والسمك. غير أن هذا القارب التقليدي يواجه اليوم مستقبلاً غامضاً بينما يمرّ الساحل الذي ساعد في تحديد ملامحه بتحول سريع.

قبل أن يعيد النفط تشكيل اقتصاد المنطقة، كانت المراكب الشراعية شريان الحياة للتجارة البحرية. كانت تنقل بضائع كالتمر والأخشاب عبر مسافات شاسعة، وتغوص بحثاً عن اللؤلؤ في المياه العميقة، وتزوّد بلدات الموانئ الصاخبة بالصيد اليومي. الخبرة اللازمة للإبحار في هذه الظروف الصعبة كانت تُتوارث عبر الأجيال، وهي معرفة لم تكن موجودة إلا بين أيدي بحارة مهرة يقرأون التيارات ويتنبأون بأنماط الطقس بدقة تكاد تكون خارقة.

غير أن هذا التراث البحري الغني يتلاشى الآن. فقد تراجعت تجارة اللؤلؤ منذ زمن طويل، وجعلت أساليب الشحن الحديثة المراكب الشراعية عتيقة الطراز في معظم الأغراض التجارية. لا يزال الصيد أحد الاستخدامات التقليدية القليلة المتبقية لهذه المراكب، لكن حتى هنا يتضاءل دورها. فكثير من المراكب الشراعية بات محفوظاً بوصفه قطعاً تاريخية أو قوارب سباق، تخدم بوصفها معالم سياحية أكثر منها قوارب صيد وظيفية.

أما الساحل نفسه فقد شهد تغييرات جذرية على مدى العقود الأخيرة. فقد جرى توسيع الموانئ وإعادة تشكيلها لاستيعاب سفن أكبر؛ وطُمرت البحيرات الشاطئية التي كانت تعجّ بالحياة البحرية لمشاريع تطوير حضري؛ وأُعيد رسم امتدادات كاملة من الشاطئ لدعم مبادرات إنشائية جديدة. ونتيجة لذلك، تختفي المياه الضحلة حيث كانت الأسماك تتكاثر تقليدياً بمعدل ينذر بالخطر.

ويزيد من تعقيد هذه التحولات البيئية تأثيرُ تغير المناخ على النظم البيئية البحرية. فالبحار الأدفأ والأكثر حموضة تغيّر سلوك أرصدة الأسماك، مجبرةً إياها على الهجرة بحثاً عن مياه أبرد. وهذا يعني أن مناطق الصيد الراسخة، وهي معرفة تراكمت بمشقة عبر الأجيال، أصبحت أقل موثوقية، مهددةً سبل عيش من يعتمدون على هذه الممارسة التقليدية.

وبالنسبة للشباب الذين يفكرون في مساراتهم المهنية، فإن الحساب الاقتصادي كثيراً ما يميل إلى التوظيف الحضري على حياة في البحر. فالصيد شاق كثير المتطلبات ويقدّم عوائد غير مؤكدة مقارنة بالأجور الثابتة المتاحة في المدن. ونتيجة لذلك، ثمة شيخوخة ديموغرافية بين الصيادين النشطين، مع قلة من الأفراد الأصغر سناً الذين يكتسبون المهارات اللازمة لتشغيل المراكب الشراعية أو الإبحار في المياه المحلية بكفاءة.

وقد نفّذت الحكومات تدابير شتى تهدف إلى حماية أرصدة الأسماك والحفاظ على ممارسات الصيد التقليدية، مثل تحديد الحصص وتقديم الدعم. وفي حين يمكن لهذه الجهود أن تساعد في استقرار أعداد الأسماك، فإنها لا تفعل الكثير للحفاظ على التقاليد الثقافية التي عرّفت المجتمعات الساحلية يوماً. فمصيد محمي ليس معادلاً لتقليد حيّ من المعرفة والممارسة البحرية.

من السذاجة أن نوحي بأن المراكب الشراعية يمكنها الاستمرار في أداء أدوارها التقليدية على نطاق واسع في ظل التحديات الجمّة التي تواجهها اليوم. غير أنه تبقى خسارة لا يمكن إنكارها حين يرحل آخر حرّاس هذه الحكمة البحرية غير المكتوبة دون أن ينقلوها، تاركين وراءهم مجرد بقايا لثقافة ساحلية كانت نابضة بالحياة.

ستحفظ المتاحف بلا شك أمثلة مادية من حرفية صناعة المراكب الشراعية لتتأملها وتدرسها الأجيال القادمة. لكن الحفاظ على التراث الثقافي غير الملموس، أي العلاقة الحميمة بين المجتمعات وبحارها، أصعب بكثير. فهذه الصلة الأعمق، التي تتسم بفهم دقيق للنظم البيئية البحرية المحلية والوصاية المحترمة على الموارد، هي ما يتلاشى حقاً حين تنطفئ ممارسات الصيد التقليدية في طيّ النسيان.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.