العالم . Souk Weekly
زورق الصيد الخشبيّ والساحل المتلاشي
مع إعادة العمران والبحار الأكثر دفئاً تشكيل الشاطئ، تنحسر بهدوء طريقة قديمة في العمل على الماء

ثمة طيف بعينه ظلّ يحدّد مياه الخليج وغرب المحيط الهندي مدةً أطول من أيّ حدود حديثة: الزورق الخشبيّ المعروف بالداو، بدنه منحنٍ صبور، ونوتيّه يقرأ تيارات ومواسم لا تلتقطها أيّ خريطة التقاطاً كاملاً. حملت هذه القوارب أجيالاً البضائع واللؤلؤ والسمك على امتداد ساحل أطعم الأُسَر التي عملت عليه. وذلك الساحل، والحياة التي أعالها، ينسلّ بهدوء بعيداً.
القارب الذي بنى ساحلاً
قبل النفط، كان الداو هو اقتصاد المنطقة. حمل التمر في اتّجاه والخشب في اتّجاه آخر، وغاص بحثاً عن اللؤلؤ، وجلب الصيد اليوميّ الذي ملأ أسواق كل مدينة مرفئية. لم تكن المعرفة التي أدارت هذه القوارب مدوّنة. كانت تعيش في أيدي رجال يستطيعون تسمية الريح من رائحتها وإيجاد مصيدة سمك من شكل الشاطئ خلفهم.
وقد رقّ هذا الإرث. انهارت تجارة اللؤلؤ منذ زمن بعيد، وانتقل الشحن إلى حاويات فولاذية، وصار الصيد واحداً من آخر الاستخدامات العاملة للحرفة القديمة. والقوارب الباقية كثيراً ما تكون جميلة، لكنها تزداد زخرفيةً، تُحفَظ لسباقات التراث وصور السيّاح بدلاً من العمل اليوميّ الشاقّ الذي بُنِيت له.
شاطئ لا يثبت على حال
تبدّل الساحل ذاته أسرع من الناس الذين يصطادون عليه. جُرِفت المرافئ وأُعيد تشكيلها، ومُلِئت البحيرات الشاطئية وأُعيد بناؤها أحياءَ على الواجهة البحرية، وأُعيد رسم امتدادات كاملة من الشاطئ من أجل العمران. والمياه الضحلة المحميّة التي كان السمك يبيض فيها يوماً صارت في أماكن كثيرة مبنيّة فوقها أو مقطوعة.
وتضيف البحار الأكثر دفئاً وحموضةً ضغطاً أبطأ. ينتقل السمك ليتبع الحرارة التي يفضّلها، والمصائد التي تعلّمها النوتيّ من أبيه قد لا تحتوي بعد الآن ما كانت تحتويه. والخريطة في رأس صياد عجوز، التي كانت موثوقة زمناً طويلاً، يُبطِلها بهدوء بحرٌ لم يعد يسلك كما اعتاد.
اقتصاد التخلّي
بالنسبة لشابّ يزن خياراته، نادراً ما يرجّح الحساب كفّة البحر. فالصيد شاقّ وغير مضمون وأجره متواضع، بينما تعرض المدينة رواتب أثبت وتكييفاً. والنتيجة أسطول صيد يشيخ وجيل نشأ قرب الماء من دون أن يتعلّم قطّ العمل عليه.
حاولت الدول الصمود بالحصص والإعانات والمواسم المحميّة، وبعض هذا يساعد مخزونات السمك على التعافي. لكن السياسة تستطيع حفظ مورد أيسر مما تستطيع حفظ نمط حياة. فالمصيدة المحميّة ليست الشيء نفسه كتقليد حيّ في الخروج إلى لقائها.
ما يتذكّره الماء
من العاطفية أن نتظاهر بأن الداو يمكن إنقاذه قارباً عاملاً بأعداد كبيرة. فالقوى المعاكسة له أوسع من ذلك. ومع ذلك يُفقَد شيء حقيقيّ حين يسلّم آخر النواتيّ، الحاملين للمعرفة غير المدوّنة عن هذه المياه، إرثهم إلى لا أحد، وحين يصير ساحل كان يوماً مكان عمل مجرّد مكان للنظر.
ستحفظ المتاحف الأبدان، وستُبحِر بها المهرجانات أمام حشد. والأصعب حفظاً هو العلاقة: مجتمع عرف بحره عن كثب، وقرأ مزاجه، وأخذ منه عيشه باحترام. ذاك، أكثر من الخشب، هو الساحل المتلاشي.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.