العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

العالم . Souk Weekly

المنطقة تشرب من البحر

تحويل مياه البحر إلى ماء شرب هو الإنجاز الهندسي الهادئ الذي يجعل الحياة الخليجية الحديثة ممكنة

بقلم Lena Holloway3 دقيقة قراءة

حُدِّث

The Region Drinks From the Sea. Souk Weekly world.

افتح صنبوراً في أي مكان تقريباً في الخليج فإنك تشرب البحر. في واحدة من أشد بقاع الكوكب شحّاً بالماء، تنهض مدن من الزجاج والفولاذ حيث ما كان الإمداد الطبيعي من الماء العذب ليقدر على إعالتها يوماً. الحيلة التي تجعل هذا ممكناً هي تحلية المياه، أعجوبة غير برّاقة نهِمة للطاقة تدندن عند الساحل بينما لا يفكر فيها أحد. وذلك التغافل هو بحد ذاته نوع من النجاح.

شبه الجزيرة العربية تكاد تخلو من أنهار دائمة وليس فيها من المطر ما يُعوَّل عليه. ولمعظم التاريخ فرض هذا سقفاً صارماً على عدد من يمكن للأرض أن تطعمهم وتسقيهم. تجمّعت المستوطنات حول الآبار والواحات، ولم يكن الجفاف إزعاجاً بل تهديداً للبقاء. وحجم مدن اليوم الساحلية كان ليبدو ببساطة لا يُتصوَّر لأي شخص يستقي الماء من فلج قديم.

كسرت التحلية ذلك السقف. فبأخذ الشيء الوحيد الذي تملكه المنطقة بلا حدود، الماء المالح، ونزع الملح منه، صنع المهندسون مورداً حجبته الجغرافيا. إنه واحد من أقل الأسباب احتفاءً لوجود الخليج الحديث أصلاً.

هناك طريقتان عريضتان لفعل ذلك. النهج الأقدم يغلي ماء البحر ويلتقط البخار النقي، وهو أسلوب يقترن طبيعياً بمحطات الطاقة التي تنتج الحرارة أصلاً. أما النهج الأحدث فيدفع ماء البحر بضغط عالٍ عبر أغشية دقيقة تسمح لجزيئات الماء بالمرور بينما تحجز الملح خلفها. كلاهما فعّال، وكلاهما يتطلب قدراً كبيراً من الطاقة، ولهذا ترسّخت التقنية في منطقة تصادف أن لديها طاقة فائضة.

الهندسة مثيرة للإعجاب حقاً، لكن الأهم هو الموثوقية. محطة التحلية ليست مشروعاً تشغّله مرة واحدة. يجب أن تعمل، وأن تظل تعمل، لأن خلفها ملايين البشر بلا مصدر آخر. أمن الماء هنا ليس شعاراً. إنه منظومة من الأنابيب والمضخّات لا يُسمح لها بالتوقف.

لا شيء من هذا بلا تبعات. تستهلك التحلية كميات كبيرة من الطاقة وتعيد إلى البحر تياراً من المحلول الملحي شديد الملوحة، أدفأ وأكثف من الماء الذي جاء منه. وفي مسطح مائي ضحل مغلق كالخليج، حيث تسحب محطات كثيرة من المياه ذاتها، يمثّل الإجهاد على البيئة البحرية قلقاً حقيقياً ومتنامياً لا يمكن للمنطقة تجاهله إلى ما لا نهاية.

هناك أيضاً هشاشة استراتيجية في الاتكاء بهذه الشدة على تقنية واحدة متجمّعة على ساحل واحد. المجتمع الذي يصنع ماءه قد اشترى لمدنه مستقبلاً، لكنه ربط ذلك المستقبل أيضاً بمحطات لا بد أن تُشغَّل وتُصان وتُحمى دون خلل.

كان الردّ دفعَ التقنية إلى الأمام: أغشية أكثر كفاءة، ومحطات مقترنة بالطاقة الشمسية، وإدارة أشدّ عناية لما يعود إلى الماء. الطموح هو أن تظل تشرب من البحر دون أن تسمّمه ببطء، وأن تفعل ذلك بينما يتصاعد كلٌّ من عدد السكان والحرّ.

ثمة شيء عميق في هدوء لدى حضارة قررت ألا يكون شحّها من الماء نهاية الجدال. نظر الخليج إلى قيد مستحيل وهندس طريقه من حوله، كوباً بعد كوب. البحر الذي كان يوماً يرسم حدّ الحياة على هذا الساحل يتدفّق الآن، منزوعَ الملح، من كل صنبور مطبخ، وقد صار المعجزة عادية إلى حدّ أن لا أحد يتذوّقها أصلاً.

المفارقة لا تفوت المسؤولين الذين أُطلعوا على الجلسات: التقنية ذاتها التي جلبت الماء إلى المنطقة قد تكون سبب زوالها إن تُركت بلا ضبط.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.