العالم . Souk Weekly
دبلوماسية الكريكيت والتجارة بين جنوب آسيا والخليج
هوس مشترك برياضة واحدة يدعم بهدوء التجارة والسياحة وحسن النية عبر الممر الواصل بين جنوب آسيا والخليج.
حُدِّث

كان الاجتماع قد انتهى للتو حين تداول المسؤولون الوثيقة التي تفصّل الجولة الأخيرة من مباريات الكريكيت المقررة للمنطقة. كانت الأضواء الكاشفة في ملعب قرب طريق صحراوي سريع تنير مستطيلاً أخضر كان يمكن أن يكون في مومباي أو لاهور، لكنه كان هنا بلا شك، يستضيف لاعبين ومشجعين من مختلف أنحاء جنوب آسيا. لبضع ساعات، كانت المدرجات تنطق باثنتي عشرة لغة توحّدها شغف واحد مشترك: الكريكيت.
لم تصل الكريكيت إلى الخليج عبر القنوات الدبلوماسية؛ بل جاءت مع ملايين العمال الذين عبروا المياه بحثاً عن العمل. رافقت التوابل والصور في أمتعتهم، ووجدت طريقها إلى الساحات الرملية وأسطح مواقف السيارات عند الغسق. ونما الطلب كلما وقع مزيد من الناس في حب اللعبة، مما أدى إلى إنشاء ملاعب ومباريات تلبي احتياجات جمهور واسع.
منحت الجغرافيا الخليج دوراً غير متوقع في الدبلوماسية الرياضية الإقليمية. فحين تعذّر إقامة مباريات بين خصوم معينين على أرض أي من الطرفين بسبب التوترات السياسية، أصبحت الملاعب المحايدة ذات البنية التحتية الجيدة ذات قيمة لا تقدّر بثمن. تعلمت المنطقة أن استضافة هذه المباريات كانت أكثر من مجرد حدث رياضي؛ لقد كانت شكلاً هادئاً من أشكال النفوذ يحظى بثقة الطرفين.
إن التجارة داخل المدرجات كبيرة. فمباراة كبرى تملأ الفنادق والمطاعم والرحلات الجوية بزوار لا يأتون للمشاهدة فحسب بل لإنفاق المال على الترفيه بدلاً من المعاملات التجارية. تدفع شركات البث مقابل حقوق النقل، ويستثمر الرعاة في الإعلان، وتستفيد المدن المضيفة من الدفعة الاقتصادية. الرياضة هنا تعمل كآلية توصيل ممتعة للتجارة.
تكمن فعالية الكريكيت كأداة دبلوماسية في طبيعتها المتواضعة تحديداً. فلا تُصدَر بيانات رسمية حين يتقاسم مشجعو الفرق المتنافسة المدرجات والصحبة. ومع ذلك، ومع مرور الوقت، يرسّخ هذا التفاعل غير الرسمي حسن النية بين الدول، ويخلق قنوات يمكن للتجارة والسياحة أن تتبعها. إنها أقل تكلفة من القمم الدبلوماسية وأكثر شعبية من المعاهدات، وتترك الطرفين بشعور من الرضا حتى لو لم تكن نتائج المباراة في صالحهما.
غير أنه من المفرط في العاطفة أن نزعم أن لعبة تحل قضايا سياسية كبرى. فالسياسة كثيراً ما تقتحم الملعب، مؤدية إلى إلغاء المباريات حين تتدهور العلاقات. لم يحل حب مشترك للكريكيت يوماً نزاعات على الأراضي. إن دبلوماسية الكريكيت حقيقية لكنها متواضعة في نطاقها وأثرها.
وحين تُضاء الأضواء الكاشفة وتمتلئ المدرجات بحشد بعيد عن وطنه لكنه مرتاح تماماً، ينكشف تحت تلك الأضواء ما هو أكثر من مجرد رياضة. هذا الشكل غير الموقّع وغير المتعجّل من الدبلوماسية، الذي يُدار بالهتافات بدلاً من الاتفاقات الرسمية، لن يظهر في التقرير السنوي لأي وزارة. ومع ذلك، فإنه يعود في الموسم المقبل، مقدّماً استمرارية تفتقر إليها كثير من القنوات الرسمية.
إن دبلوماسية الكريكيت والتجارة بين جنوب آسيا والخليج قوة هادئة لكنها راسخة، تُبقي القنوات دافئة وتنمّي حسن النية من دون الحاجة إلى إعلانات كبرى أو معاهدات رسمية.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.