العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

تكنولوجيا . Souk Weekly

المدينة التي تراقب نفسها بهدوء

مستشعرات منسوجة عبر الطرق والشبكات والمباني تَعِد بالكفاءة، وتثير أسئلة هادئة عمّن يراقب

بقلم Mira Faraj3 دقيقة قراءة

حُدِّث

The City That Quietly Watches Itself. Souk Weekly technology.

المدينة الحديثة لم تعد تحتوي سكانها فحسب؛ بل تأخذ قياساتهم. مدفوناً في الأسفلت، ومثبّتاً على أعمدة الإنارة، ومنسوجاً عبر أنابيب المياه وخطوط الكهرباء، نُسج نسيج من المستشعرات الصغيرة في الشوارع بينما لم يكن أحد ينظر تماماً. إنه يعدّ السيارات والخطوات، ويقرأ الحرارة والهواء، ويلاحظ متى تمتلئ حاوية أو يحترق مصباح. أنبتت المدينة جهازاً عصبياً، ومثل أي جهاز عصبي، فهي تستشعر دون أن تعلن أنها تستشعر. والنتيجة مكان يراقب نفسه بهدوء، وحتماً، يراقبنا.

الحجة لصالح المدينة المستشعِرة مقنعة حقاً، وهذا ما يمنحها قوتها. إشارة مرور تعرف أن الطرق خالية لا داعي لأن تُبقي سائقاً وحيداً منتظراً في الثالثة فجراً. شبكة مياه تحسّ بتسرّب لحظة بدايته يمكن أن تنقذ مورداً شحيحاً لا تملك المنطقة، من بين كل الأماكن، ترف تبديده. كهرباء تتدفق حيث تُحتاج، ومبانٍ تبرّد نفسها فقط عند الإشغال، ونفايات تُجمع حين تمتلئ الحاويات فعلاً: الوعد مدينة تكفّ عن الهدر، وفي جزء حار وعطشان من العالم، هذا الوعد ليس تافهاً.

هذا حقيقي، ويستحق أن يُقال بوضوح قبل أن تزدحم الاعتراضات. الكفاءة ليست كلمة بذيئة. مدينة تستهلك ماءً أقل وطاقة أقل ووقتاً أقل من الجميع مدينة أفضل، وكثير من الاستشعار يخدم هذه الغاية بالضبط دون أي غرض شرير على الإطلاق.

ما يقلق ليس الاستشعار بل خفاؤه. كانت أدوات المدينة القديمة مرئية: شرطي على ناصية، وكاميرا يمكنك الإشارة إليها، وعدّاد يأتي أحدهم لقراءته. كنت تعرف متى تُراقَب فتتكيّف أو تعترض. الطبقة الجديدة لا تملك هذه اللباقة. إنها صغيرة، صامتة، وموجودة في كل مكان، وتجمع لا حقيقة درامية واحدة بل ألف حقيقة ضئيلة، تقول مجتمعةً عن حياة ما أكثر مما قد تقوله أي كاميرا منفردة.

لا يترك المرء آثار أقدام على أرضية رخامية، لكن المدينة المستشعِرة تسجّل وقع الخطوة رغم ذلك. المعلومة عادية، تُؤخذ قراءة واحدة في كل مرة. ومجموعةً، تصبح صورة للعادات والروتين والتحركات لم يجلس الشخص المصوَّر لالتقاطها قط ولم يوافق عليها أبداً.

السؤال الحاسم، كالعادة، ليس ما تستطيع التقنية فعله بل من يتحكم بما تعرفه. البيانات عن كيفية تنفّس مدينة ليست محايدة. في أيدٍ حذرة، مقيّدة بقواعد واضحة ورقابة حقيقية، يمكنها أن تجعل الشوارع أكثر أماناً والخدمات أكثر عدلاً. وفي أيدٍ متهاونة أو طموحة، تصبح البيانات نفسها أداة لمراقبة الناس بدلاً من خدمتهم، والخط بين الاثنين لا ترسمه المستشعرات بل البشر الذين يمسكون بالخريطة.

لهذا فإن الترتيبات أهم من الأدوات. مدينة مستشعِرة تُحكم بالشفافية، ومواطنون يعرفون ما يُجمع ويستطيعون محاسبة أحدهم، إنجاز مدني. المدينة نفسها إن حُكمت في الظلام شيء آخر، يرتدي الثوب نفسه. العتاد متطابق. أما السياسة فهي كل شيء.

وأخيراً، هناك ثمن أدق، لا علاقة له بإساءة الاستخدام. الشخص الذي يعرف، ولو بخفوت، أن الشارع يقيسه قد يحمل نفسه بشكل مختلف قليلاً، وقد يفقد بعضاً من تلك المجهولية السهلة التي كانت دائماً إحدى هدايا حياة المدينة الهادئة. الحرية في أن تكون غير مراقَب، أن تكون لا أحد بعينه لبعض بعد الظهر، غير مكتوبة في أي قانون، لكنها حقيقية، ومدينة تراقب نفسها عن كثب أكثر من اللازم قد تُنحلها دون أن تقصد ذلك أبداً.

وهكذا تصل المدينة المستشعِرة، كما تفعل معظم التقنيات، حاملةً هدايا حقيقية وأثماناً هادئة في اليد نفسها. ستوفّر الماء والوقت والطاقة، وستعرف عنا أكثر مما عرفته أي مدينة من قبل. أما هل تخدم تلك المعرفة الناس الذين يعيشون داخل الأداة، أم تكتفي بمراقبتهم، فليس سؤالاً تستطيع المستشعرات الإجابة عنه. إنه سؤال سيتعيّن علينا مواصلة طرحه، بصوت عالٍ، في مدينة تعلّمت أن تصغي.

جملة بلا انفعال: "الطبقة الخفية تراقبك بينما أنت منشغل بمراقبة هاتفك."

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.