العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

تكنولوجيا . Souk Weekly

الذكاء الاصطناعي العربي أولاً وسياسات النموذج اللغوي

بناء نموذج يفكّر بالعربية أولاً هو أمر تقني وثقافي وسياسي في آن واحد

بقلم Diego Arroyo3 دقيقة قراءة

حُدِّث

Arabic-First AI and the Politics of the Language Model. Souk Weekly technology.

كانت أقدر النماذج اللغوية في العالم تتعلّم العربية ذات يوم كما قد يفعل سائح ذكي: بما يكفي للسحر لكن مع فقدان الفروق الدقيقة التي تجعل اللغة أصيلة حقاً. كانت هذه النماذج تترجم بدلاً من أن تفكّر، فتلجأ افتراضياً إلى منطق إنجليزي ملفوف بكلمات عربية. والآن، تهدف موجة جديدة من الجهود الإقليمية إلى تغيير هذا، ببناء أنظمة تستدلّ بالعربية من الأساس.

لغة هي لغات كثيرة

العربية ليست متجانسة، بل هي طيف. فهناك العربية الفصحى الحديثة، وهي المستوى الرسمي المستخدم في الأخبار والنصوص المقدّسة، والتي يقرأها الجميع لكن قلّة تتحدّث بها في البيت. وتدور حول الفصحى لهجات متنوعة، شامية وخليجية ومصرية ومغاربية، لكل منها مفرداتها وإيقاعها، وكثيراً ما تكون غير مفهومة لمتحدثي اللهجات الأخرى. النموذج اللغوي المدرَّب أساساً على النصوص الرسمية يتحدّث كمذيع أخبار في حفل زفاف: يفتقد دفء المحادثة اليومية وفروقها الدقيقة.

لكي يبدو النموذج أصيلاً حقاً، عليه أن يستوعب هذا الطيف بأكمله. لكن التقاط ذلك التعقيد أصعب بكثير من تجميع مجموعة بيانات مرتّبة. فهو يتطلّب فهم ظلال المعنى الدقيقة القائمة بين اللهجات والمستويات، ولهذا يقصّر كثير من النماذج حين تحاول التقاط نسيج العربية الغني.

عربية مَن التي تصبح الافتراضية؟

كل قرار في تدريب نموذج لغوي يحمل ثقلاً ثقافياً. فإذا تعلّم النموذج في الأساس من إعلام بلد واحد، فإنه يمتصّ تعابير تلك الأمة وافتراضاتها، بل وحتى صمتها. واللهجة التي يجدها أسهل تصبح، افتراضياً، اللهجة المفضّلة لعصر الآلة. والمجتمعات التي يكون حضور كلامها ضعيفاً على الإنترنت تخاطر بأن يُنظَر إليها كأخطاء تجب تصحيحها. وهكذا، فإن اختيار أي عربية يتحدّث بها النموذج هو أيضاً قرار بشأن من يُسمَع صوته ومن قد يُمحى بهدوء.

المدوّنة النصية الضعيفة والمتنازَع عليها

بالمقارنة مع الإنجليزية، فإن النصوص العربية عالية الجودة على الإنترنت المفتوح شحيحة، وكثير منها مترجَم لا مؤلَّف أصلاً. هذه الندرة تغري البُناة بالاعتماد الشديد على البيانات المترجَمة آلياً، والتي تغرس بُنى الجمل الإنجليزية في ما يُفترض أن يكون عقلاً عربياً خالصاً. أما الطريق الأصعب فيتضمّن تكليف مواد أصلية ورقمنتها وتنقيحها، وكثير منها قابع في الأرشيفات أو المكتبات أو في ذاكرة أشخاص لم يُسألوا قط عن حكاياتهم. البيانات هنا لا تُكتشَف، بل تُصنَع.

السيادة في خزانة خوادم

ثمة أيضاً بُعد استراتيجي لهذا الجهد. فالمنطقة التي تعتمد كلياً على نماذج أجنبية في إدارتها وتعليمها وإعلامها تُسنِد جزءاً من إدراكها إلى شركات خارجة عن حوكمتها. وبناء نماذج محلية قادرة يؤكّد أن على المجتمع أن يفهم نفسه عبر لغته الخاصة دون وسطاء يقرّرون ما الذي يمكن قوله. ولهذا لا تجذب هذه المشاريع المهندسين وحدهم، بل الوزارات الحكومية أيضاً.

خطر الصوت الرسمي

لكن السيادة تأتي بمخاطرها. فالنموذج الذي يُصاغ تحت اهتمام حكومي وثيق قد يصبح طليقاً ومطيعاً، بليغاً في الموضوعات الآمنة لكن غامضاً حين يتعلّق الأمر بالموضوعات الخلافية. الخطر ليس في أن يفشل الذكاء الاصطناعي العربي أولاً في أن يبدو أصيلاً، بل في أن يبدو أصيلاً أكثر من اللازم بينما يضيّق بهدوء ما يمكن لصوت أصيل أن يقوله.

بناء نموذج يحلم بالعربية مشروع جدير ومتأخّر عن موعده، يستحق الاحترام لهندسته وحدها. ومع ذلك، فاللغة تتجاوز مجرّد التقنية، فهي تحمل الذاكرة والتراتبية والخلاف. ومن يبني هذه الآلة يرث كل هذه العناصر، وأكثر البُناة صدقاً سيعترفون بأنهم لا ينمذجون العربية فحسب، بل يطرحون حجة حول ما يعنيه أن تكون عربياً.

اللغة أكثر من مجرّد أداة، إنها مرآة تعكس تعقيدات المجتمع. وبينما نسعى لصنع ذكاء اصطناعي يفهم العربية حقاً، فلنتذكّر أن هذا المسعى هو أيضاً انعكاس لقيمنا وتطلّعاتنا نحن.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.