العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

السياسة . Souk Weekly

المجلس ما زال المكان الذي تُتَّخذ فيه القرارات

خلف الأبراج الزجاجية، لا تزال أعرق مؤسسات الخليج تقرّر من يُسمَع صوته وما الذي يُنجَز

بقلم Priya Chen3 دقيقة قراءة
The Majlis Is Still Where Things Get Decided. Souk Weekly politics.

في مدن الخليج، يروي الأفق حكايةً، ويروي المساء حكايةً أخرى. في النهار يبدو أن القرارات ملكٌ للأبراج الزجاجية، ولقاعات الاجتماعات بشرائحها التقديمية ومستشاريها المستوردين. أما بعد الغروب، في غرفةٍ مفروشةٍ يدندن فيها المكيّف وتدور فيها صينية قهوة الهيل في تمهّل، فتعود ترتيباتٌ أقدم لتفرض نفسها بهدوء. المجلس، ذلك التجمّع المفتوح، لا يزال المكان الذي يُحسَم فيه قدرٌ مفاجئٌ من الأمور.

الغرفة التي تقف خلف قاعة الإدارة

كلمة "مجلس" تعني ببساطة مكان الجلوس، وفي هذا التواضع يكمن كل المغزى. إنها غرفة، غالباً ما تكون أكرم غرف البيت، تصطفّ فيها الوسائد المنخفضة وتبقى مهيّأةً لضيوفٍ قد يأتون وقد لا يأتون. التاجر له مجلس، وكذلك شيخ القبيلة والوزير والحيّ الذي تتجمّع كرمه. وكثيراً ما تكون الصفقات التي تُعلَن في الأبراج مجرّد تسجيلٍ رسميٍّ لأحاديث جرت أولاً على هذه الوسائد، عبر ساعاتٍ لا يقدر أي جدول أعمالٍ على حصرها.

من الذي يُسمَع صوته

يسير المجلس وفق منطقٍ لا يستطيع أي هيكلٍ تنظيميٍّ أن يلتقطه. قد يتكلّم رجلٌ بلا منصبٍ قبل رجلٍ يحمل مناصب عدّة، لأن السنّ والنسب والسمعة ومجرّد الحضور أسبوعاً بعد أسبوع، كلها أمورٌ لها وزنها. يأتي أصحاب الحاجات طلباً لعملٍ أو وساطةٍ أو كلمةٍ في الأذن الصحيحة. يُصغي المضيف، والإصغاء بحدّ ذاته شكلٌ من أشكال الحكم. أن تُستقبَل يعني أن يُعترَف بك جزءاً من الجماعة التي تُدار شؤونها.

وهذا ليس حنيناً إلى الماضي. فقد تعلّمت الوزارات والشركات أن تخصّص ساعات مجلسٍ خاصةً بها، إدراكاً منها أن شكوى تُطرح على الوسائد نادراً ما تحتاج إلى أن تُطرح في قاعة محكمةٍ أو في سلسلة تعليقات.

نحوُ القهوة والصبر

كل شيءٍ في الغرفة يُبطئ خطى الزائر. تُصبّ القهوة في فناجين صغيرة وتُعاد حتى تهزّ الفنجان دلالةً على الاكتفاء. والحديث يدور دوراتٍ قبل أن يحطّ. كثيراً ما يسيء الغربيون المدرَّبون على بلوغ الهدف بسرعةٍ قراءة هذا فيظنّونه تلكؤاً، بينما هو أقرب إلى العكس: طقسٌ متأنٍّ يتيح للناس أن يقرأ بعضهم بعضاً، وأن يختبروا الصدق، وأن يبلغوا التوافق دون أن يخسر أحدٌ ماء وجهه. والقرارات التي تُتَّخذ على هذا النحو تميل إلى الثبات، لأن كل من في الغرفة يشعر أنه أسهم في بلوغها.

فضاءٌ عامٌّ سبق الساحة العامة

قبل أن تعرف المنطقة البرلمانات والمؤتمرات الصحفية بزمنٍ طويل، كان المجلس فضاءها العام. فيه كانت الأخبار تنتقل، وفيه تُسوّى الخصومات، وفيه كان يُنتظَر من الحكّام أن يجلسوا في متناول المحكومين. وما زال شيءٌ من هذا التوقّع باقياً في المؤسسات الرسمية اليوم، ومنها المجالس الاستشارية التي سمّتها دولٌ عدّة، على نحوٍ بليغٍ، باسم المجلس نفسه. تغيّر المبنى، أما الافتراض بأن السلطة ينبغي أن تكون قريبة المنال فلم يرحل معه كلّه.

ما لا تستطيع الأبراج أن تعوّضه

الاقتصاد الجديد يثمّن السرعة ولوحات البيانات ومظهر الشفافية. أما المجلس فيقدّم ما تعجز عنه لوحة البيانات: الحضور. لا تستطيع أن توكّل محلّلاً ليجلس مكانك على الوسائد، ولا أن تلتقط صورةً للثقة التي تتراكم من سنوات الحضور. وكلما أتمتت المنطقة المزيد من حياتها العامة، صمد التجمّع لأنه يقاوم الرقمنة. إنه لقاءٌ يصرّ على أجسادٍ في غرفة.

قد يبدو بقاء المجلس، في عين الغريب، ماضياً يأبى الرحيل. والأصحّ أن نفهمه حُجّةً هادئةً حول الكيفية التي ينبغي أن تُحَسّ بها السلطة. فخلف كل إعلانٍ يُتلى تحت الأضواء الساطعة، ثمّة عادةً غرفةٌ أكثر عتمةً وهدوءاً، فيها جرى الإصغاء الحقيقي، وفيها، والقهوة في اليد، حُسم الأمر فعلاً.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.