السياسة . Souk Weekly
الانتظار الطويل للأوراق والانتماء
بالنسبة لملايين أمضوا حياتهم كلها في الخليج، يبقى سؤال الانتماء معلّقاً بهدوء

ثمّة نوعٌ بعينه من البشر أنتجته منطقة الخليج بأعدادٍ كبيرةٍ وقلّما سمّته: شخصٌ وُلد في بلد، وتعلّم بلغته، وأتقن شوارعه ولهجته العامية، ومع ذلك يحمل جواز سفر مكانٍ ربما لم يزره إلا في العطلات. فبالنسبة لملايين عبر المنطقة، ليست "الدار" و"الوطن" كلمةً واحدة، والمسافة بينهما انتظارٌ لا ينتهي تماماً.
وُلِد هنا، وأصله من هناك
بُني الخليج على عمل أناسٍ جاؤوا ليبقوا دون أن يُسمَح لهم يوماً بالانتماء. كبر أبناؤهم وهم يردّدون الشعر المحلي ويشجّعون الفرق المحلية، ثم اكتشفوا عند عتبة الرشد أن الجنسية الوحيدة المتاحة لهم موروثةٌ من قرية جدٍّ في قارةٍ بعيدة. هم، بأعمق المعاني، من المكان. لكنهم ببساطة ليسوا مواطنيه، ولا قدرَ من الطلاقة يغيّر السطر في الاستمارة.
عمارة "الكاد"
الإقامة في المنطقة بنيةٌ من التجديدات، حياةٌ تُعاش بمددٍ محدّدة. التأشيرة مربوطةٌ بوظيفة، والوظيفة بصاحب عمل، وحقّ أسرةٍ بأكملها في البقاء بتوقيعٍ واحدٍ ينبغي طلبه مرةً بعد مرة. ينشئ الناس أبناءً، ويدفنون آباءً، ويبنون أعمالاً داخل هذا الإطار المؤقّت. يتعلّمون أن يخطّطوا على دفعات، وأن يعاملوا عقوداً من الحضور بوصفها أمراً يمكن، من حيث المبدأ، أن يُرفَض عند التجديد التالي.
ما الذي تحرسه المواطنة
من الإجحاف أن نتظاهر بأن التردّد مجرّد برود. ففي دولٍ صغيرةٍ يكون فيها المواطنون أقليّةً في مدنهم، ليست المواطنة هويّةً فحسب، بل حصةٌ في ثروةٍ استثنائيةٍ وعقدٍ اجتماعيٍّ محدود. وفتحها على مصراعيه يعني إعادة رسم الأمة. وقد بدأت دولٌ عدّة، بحذر، تمنح إقاماتٍ طويلة الأمد وتجنيساً انتقائياً للاستثنائيين والنافعين. البادرة حقيقية، وهي أيضاً تذكيرٌ بمدى إحكام إغلاق الباب في العادة.
انتماءٌ بلا أوراق
غير أن الانتماء يأبى انتظار الإذن. يبنيه الناس على أي حال: في المطعم الذي خدم الحيّ نفسه ثلاثة أجيال، وفي ملعب الكريكيت على أرضٍ تربها، وفي المسجد والكنيسة والمعبد الذي يسمح به انفتاح المنطقة بهدوء. ثمّة ولاءٌ هنا لا يسجّله أي جواز سفر، وتعلّقٌ بأفقٍ أسهموا في رفعه. قد لا تطالب الدولة بهؤلاء الناس، لكنهم طالبوا بالمكان منذ زمنٍ بعيد.
السؤال المؤجَّل
ماذا يحلّ بمجتمعٍ يعتمد على مقيمين لا يحتضنهم احتضاناً كاملاً، هو السؤال الذي تواصل المنطقة تأجيله. جاء الجيل الأول ليكسب ويعود. أما الجيلان الثاني والثالث فلا مكان أصدق لهما يعودان إليه. ومع تقدّمهم في السنّ في مدنٍ ما زالت تصنّفهم مؤقّتين، يصير ادّعاء الزوال المهذّب أصعب على الاستمرار، ويعلو السؤال المعلّق بهدوء.
الانتماء، في نهاية المطاف، ليس مسألة وثائق فحسب. لكن الوثائق هي التي تقرّر من يبقى، ومن يملك، ومن يشيخ في المكان الذي يسمّيه داراً. وبالنسبة للملايين الذين ما زالوا ينتظرون، فإن الخليج لهم بلا لبسٍ بكل الطرق إلا تلك المكتوبة. وهل تكتبهم المنطقة في النهاية ضمن أبنائها، أم تبقيهم إلى الأبد على العتبة، فذلك ما سيقول الكثير عن نوع الدار التي تنوي أن تكونها.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.