العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

رأي . Souk Weekly

الاختفاء الهادئ ليد الخطّاط

مع إحلال الشاشات محل القلم، تخاطر المنطقة بفقدان فن كان يوماً ضرباً من العبادة

بقلم Priya Chen3 دقيقة قراءة
The Quiet Vanishing of the Calligrapher's Hand. Souk Weekly opinion.

في زقاق ضيق من سوق قديم، كثيراً ما يوجد دكان واحد تفوح منه رائحة الحبر والصبر. في داخله، يقصّ رجل مسنّ قلم قصب بزاوية لا تفهمها إلا أصابعه، يغمسه، ثم يترك سطراً واحداً من الخط يتفتح عبر الصفحة. تتناقص هذه الدكاكين عاماً بعد عام. اليد التي حوّلت الحروف يوماً إلى عبادة تختفي بهدوء، ولن ينتبه معظمنا حتى يُغلق آخرها مصراعه.

حين كانت الكتابة عبادة

لم يكن الخط العربي مجرد كتابة يدوية. ولأن التقليد تحرّج من تصوير الكائنات الحية، صارت الكلمة نفسها اللوحة الكبرى للإيمان، وعُوملت صياغة آية بوصفها فعل تعبّد لا زخرفة. أمضى المعلّم سنوات يتعلّم نسب حرف واحد، يقيس المنحنيات بالنقاط، ويُخضع يده لانضباط لا يقل صرامة عن أي صلاة. أن تكتب بجمال كان تكريماً لما تقوله الكتابة.

طغيان الحرف الكامل

تقدّم الشاشة ألف خط في لحظة، كل منها لا تشوبه شائبة ومطابق لما يليه. هذه راحة حقيقية، ولن أدّعي غير ذلك. لكن الكمال المنتَج دون جهد لا يحمل أثراً لمن صنعه. سطر الخطّاط يرتجف قليلاً، يغلظ حيث ضغطت اليد، ويرقّ حيث ارتفعت. تلك النقائص هي بصمة كائن حي. أما الخط الرقمي فلا بصمة له، ومن ثمّ لا روح فيه تُقرأ بين الجرّات.

ما تعرفه اليد

ثمة نوع من المعرفة لا يعيش إلا في اليد ولا يمكن تنزيله. زاوية السنّ، سرعة الجرّة، الضغط الذي يحوّل المنحنى من الخرق إلى الحياة: تُتعلَّم هذه بالتكرار عبر سنوات، وتنتقل من رسغ المعلّم إلى الطالب. حين يموت معلّم دون تلميذ، لا تهاجر تلك المعرفة إلى خادوم. إنها تنتهي ببساطة، كما تنتهي لغة حين يصمت آخر متحدثيها.

سوق لا مكان فيه للبطء

التهديد الأعمق ليس الشاشة بل الاقتصاد المحيط بها. تكلفة لافتة تُطبع في عصر واحد جزء يسير من كلفة أخرى تُخطّ باليد على مدى أسبوع، وقلة من التجار ستدفع ثمن الصبر. لذا يختار المتدرّب الشاب، إذ يرى معلّمه يكسب القليل، حرفة أخرى. لا يموت الفن كراهيةً. يموت إهمالاً، مُقصىً من سوق يكافئ السرعة قبل كل شيء.

إبقاء القلم حياً

غير أن ثمة بوادر مبشّرة. بدأت بعض المعارض والمهرجانات في المنطقة تعامل الخط بوصفه فناً رفيعاً لا مجرد لافتات، وثمة قلة من الفنانين الشباب يمزجون اليد الكلاسيكية بالتصميم الحديث. هذا ليس حنيناً. إنه حجة على أن القلم ما زال لديه ما يقوله ولا تستطيع لوحة المفاتيح قوله. الحفظ لا يعني تجميد الفن في متحف. يعني أن نمنحه غرفاً جديدة يحيا فيها.

لا أريد مستقبلاً لا تبقى فيه الكلمة الجميلة إلا خطاً رقمياً سُمّي على اسم خطّ لم يعد أحد قادراً على كتابته بيده. كل حضارة تُذكر جزئياً بحروفها، بالعناية التي بذلتها في صياغة المعنى. إن تركنا يد الخطّاط تسكن، فإننا لا نفقد فناً وحسب. نفقد طريقة في القول بأن الكلمات التي نحيا بها تستحق عناء أن نجعلها جميلة.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.