العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

رأي . Souk Weekly

الاختفاء الهادئ ليد الخطّاط

بينما تحلّ الشاشات محل القلم، تخاطر المنطقة بفقدان فن كان يوماً ضرباً من العبادة

بقلم Priya Chen2 دقيقة قراءة

حُدِّث

The Quiet Vanishing of the Calligrapher's Hand. Souk Weekly opinion.

في زقاق ضيق من سوق قديم، غالباً ما يوجد دكان تفوح منه رائحة الحبر والصبر. في الداخل، يقصّ رجل مسنّ قلم قصب بزاوية لا تفهمها إلا أنامله، ويغمسه، ويترك سطراً واحداً من الخط يتفتح عبر الصفحة. يتناقص عدد هذه الدكاكين عاماً بعد عام. اليد التي جعلت الحروف يوماً عبادة تختفي في هدوء، ولن يلاحظ معظمنا ذلك حتى يُغلق آخرها مصراعه.

كان الخط العربي أكثر من مجرد كتابة يدوية، بل كان فعل تعبّد. أمضى الأساتذة سنوات في تعلّم نسب حرف واحد، يقيسون الانحناءات بالنقاط، ويُخضعون أيديهم لانضباط صارم. كانت الكتابة الجميلة وسيلة لتكريم ما تقوله الكتابة.

تقدّم الشاشة ألف خط في لحظة، كل واحد منها بلا عيب ومطابق للآخر. هذا مريح، لكن الكمال بلا جهد يفتقر إلى اللمسة الإنسانية. فسطر الخطّاط يرتجف قليلاً، ويثخن حيث ضغطت اليد، ويرقّ حيث ارتفعت. هذه العيوب هي بصمات فريدة لكائن حيّ. أما الخط الحاسوبي فلا بصمة له، ومن ثمّ لا روح تُقرأ بين ضرباته.

هناك معرفة تعيش في اليد وحدها ولا يمكن تنزيلها. زاوية السنّ، وسرعة الضربة، والضغط الذي يحوّل انحناءة من الخرق إلى الحياة، هذه مهارات تُتعلّم عبر سنوات من التكرار، وتُورَّث من معلم إلى تلميذ. وحين يموت أستاذ دون أن يورّث معرفته، تنتهي، تماماً كما تنتهي لغة حين يصمت آخر متحدثيها.

التهديد الأعمق ليس الشاشة بل الاقتصاد المحيط بها. فلوحة إعلانية تُطبع في عصر واحد تكلّف أقل من واحدة تُخطّ باليد على مدى أسبوع. قلة من الأعمال ستدفع ثمن الصبر، لذا كثيراً ما يختار المتدربون الشباب مهناً أخرى. الفن لا يموت كراهيةً، بل يموت إهمالاً أُخرج بسعره من سوق يكافئ السرعة فوق كل شيء.

ومع ذلك ثمة علامات مبشّرة. فبعض صالات العرض والمهرجانات تعامل الخط بوصفه فناً رفيعاً لا مجرد لافتات، وقلة من الفنانين الشباب يمزجون اليد الكلاسيكية بالتصميم الحديث. ليس هذا حنيناً، بل حجة على أن للقلم ما يقوله ولا تستطيع لوحة المفاتيح قوله. الحفاظ لا يعني تجميد الفن في متحف، بل منحه غرفاً جديدة يعيش فيها.

لا أريد مستقبلاً تبقى فيه الكلمة الجميلة على قيد الحياة بوصفها مجرد خط حاسوبي سُمّي باسم خطٍّ لم يعد أحد قادراً على كتابته باليد. فكل حضارة تُذكر جزئياً بحروفها، بالعناية المبذولة في تشكيل المعنى. وإذا تركنا يد الخطّاط تصمت، فإننا نفقد أكثر من فن، نفقد طريقة في القول بأن الكلمات التي نحيا بها تستحق عناء جعلها جميلة.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.