رأي . Souk Weekly
طغيان البيان الصحفي الجيد
لماذا ظلّت الطبقة السياسية الإقليمية، على مدى دورتين، تكتب إعلانات أفضل مما تستحقه تلك الإعلانات، وما الذي كلّفه الإفراط في الاستثمار العملَ الأساسي.
حُدِّث

جلسنا في قاعة الاجتماعات، وأمامنا كومة من البيانات الصحفية مصفوفة بعناية. كان كل واحد منها مصوغاً بدقة: عناوين حادة، وأوصاف موجزة، ونقاط تعدادية بدت وكأنها تحمل ثقل السلطة. لكن مع تقليبنا للصفحات، اتضح أن الوثائق التي كانت تلخّصها كثيراً ما كانت مجرد ظلال باهتة لنظيراتها اللامعة.
المشكلة ليست أن هذه البيانات الصحفية سيئة؛ بل على العكس تماماً، إنها ممتازة. تكمن المشكلة فيما يحدث بعد أن يصل البيان إلى وكالات الأنباء وخلاصات وسائل التواصل الاجتماعي. فوثيقة السياسة، التي يُفترض أن تكون الأساس الذي تستند إليه الإعلانات، تصبح فكرة لاحقة، حاشية في السردية الكبرى للتواصل.
لم يحدث هذا التحول بين ليلة وضحاها. فعلى مدى الدورتين الماضيتين، بات جلياً أن بياناً صحفياً جيد الإنتاج ينال اهتماماً أكبر مما قد تناله وثيقة السياسة المقابلة له على الإطلاق. التهمت المنافذ الإعلامية هذه البيانات بنهم، بينما تُرك التنفيذ الفعلي ليقبع في مطهر بيروقراطي. ونتيجة لذلك، اكتسبت فرق التواصل مكانة ونفوذاً، بينما تُركت الفرق الجوهرية تكافح بضجيج أقل.
المفارقة أن هذا التكيّف مع حوافز الإعلام ليس خبيثاً بطبيعته. بل هو استجابة عقلانية لبيئة تُكافَأ فيها الإعلانات أكثر من المتابعة. غير أن كلفة هذا الاختلال كبيرة: سيل مطّرد من البرامج المُعلَن عنها بجمال والتي تخبو مع الوقت، لا تترك خلفها سوى بيانات صحفية شبحية في الأرشيف.
وفي الوقت نفسه، غالباً ما تمر البرامج التي تفي بوعودها بهدوء دون أن يلاحظها أحد. فنجاحها لا يولّد عناوين أو دورات إخبارية؛ بل يوجد ببساطة كشهادة صامتة على الحوكمة الرشيدة وتنفيذ السياسات. لكن بدون الضجيج، يسهل إغفال هذه النجاحات في صخب الإعلانات.
يتطلب تكوين أكثر صحّةً أن يغيّر الطرفان مسارهما. فالطبقة السياسية تحتاج إلى الاستثمار في التنفيذ بقدر استثمارها في الإعلان. وفي الوقت نفسه، على الصحافة أن تغطي المتابعة المملة في الغالب بالجدية نفسها المخصصة لفعاليات الإطلاق. وعلى الجمهور أن يطوّر وعياً يميّز بين البرامج المُعلَنة والمُنفَّذة.
ليست هذه مهمة سهلة. إنها تتطلب تغيير الحوافز والتوقعات عبر أصحاب مصلحة متعددين. لكن تسمية هذا الاختلال بصدق هي الخطوة الأولى نحو تصحيحه. علينا أن نتوقف عن معاملة البيانات الصحفية بوصفها مقياس نجاح السياسة. فالعمل نفسه، التنفيذ الفعلي، هو ما يهم حقاً.
تأمّل مقارنة تاريخية: خلال الثورة الصناعية، احتُفي بالمصانع لفخامتها ووعودها، لكنها غالباً ما قصّرت في توفير ظروف عمل آمنة وأجور عادلة. وعلى نحو مشابه، تشبه إعلانات السياسات اليوم افتتاحات المصانع الأولى تلك، مفعمة بالوعود لكن مفتقرة إلى الجوهر ما لم يعقبها تنفيذ دؤوب.
القراءة العملية لهذا الاختلال واضحة. إنه يتجلى عبر القرارات الصغيرة التي تفضي إلى عواقب أكبر: أسرة تحتاج إلى وثيقة حاسمة، أو عمل تجاري يتطلب هوامش مالية إضافية، أو فرد يواجه عقبات غير متوقعة بسبب سياسة سيئة التنفيذ. يكمن التحدي في تحديد هذه النقاط والحرص على معالجتها قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات.
بالنسبة للقراء الذين يتنقلون بين التواصل والسياسة والنقد والرأي، تكمن القيمة في الفجوة بين الإعلانات الكبرى والمعاملات اليومية. إنها تتعلق بإدراك أن السياسة لا تكتمل حتى تُنفَّذ، تماماً كما أن الصفقة لا تُبرَم حتى يُضمَن التسليم والضمان والدعم.
في جوهره، يدفعنا «طغيان البيان الصحفي الجيد» إلى تفحّص البنود الدقيقة، وإلى التحقق من المتطلبات من المصادر الرسمية قبل المضي قدماً، وإلى بناء هوامش للتأخيرات أو المشكلات المحتملة. إنها تتعلق بمعاملة هذه الخطوات الصغيرة بالجدية نفسها التي نخصصها للإعلانات الكبرى.
لذا، في المرة القادمة التي ترى فيها بياناً صحفياً مصوغاً بجمال، تذكّر: إنه مجرد الردهة. أما العمل الحقيقي فهو داخل المبنى.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.