العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

رأي . Souk Weekly

قارورة العطر بوصفها وعاءً للذاكرة

في منطقةٍ يكون فيها العطر لغة، قد تحمل قارورةٌ صغيرة من الذاكرة أكثر مما تحمله أي صورة

بقلم Marcus Okafor2 دقيقة قراءة
The Perfume Bottle as a Vial of Memory. Souk Weekly opinion.

افتح درجًا في أي بيتٍ تقريبًا بالمنطقة وستجدها: قارورة زجاجية صغيرة، ربما عكّرها الزمن، تحمل آخر قطرات العنبر من عودٍ أو عطر وردٍ أحبه أحدهم. تبدو وكأنها لا شيء. لكنها في الحقيقة من أقوى أدوات الذاكرة التي نملكها، وأوفى بطريقتها من أي صورة فوتوغرافية.

العطر بوصفه لغة

في جزءٍ كبير من الخليج والمنطقة الأوسع، ليس العطر زينةً بل كلام. أن تستقبل ضيفًا والبخور يتصاعد في المجلس يعني أن تقول أهلًا قبل أن تُتبادَل كلمة. وأن تمرّر مسبحةً غُمست في العطر مجاملةٌ أقدم من القهوة. نتعلم باكرًا أن المرء يُعرَف بعطره كما يُعرَف الصوت عبر خطّ الهاتف، وأن تتعطّر يعني أن تترك توقيعًا في الهواء.

لماذا تبقى القارورة بعد الصورة

تُريك الصورة وجهًا، لكنها تُبقيك على مسافة ذراع، على الجانب الآخر من الزجاج. أما العطر فيفعل شيئًا أغرب وأكثر حميمية. إنه لا يُريك الماضي، بل يعيدك إليه. نَفَسٌ واحد من وردةٍ بعينها وإذا بك طفلٌ من جديد في عرس، أو واقفٌ في غرفة جدّتك، أو ملتصقٌ بكتف شخصٍ رحل منذ زمن. القارورة على الرفّ خزّانٌ صغير لتلك الأصائل المتلاشية، مختومٌ ومنتظر.

كيمياء الحنين

ثمة سببٌ لهذا أدركه القلب قبل المختبر بزمن طويل. فحاسة الشم موصولةٌ مباشرةً بأقدم أجزاء العقل وأكثرها عاطفية، تتجاوز لجنة العقل البطيئة. لذلك قد يباغتك عطرٌ في سوقٍ مزدحم فيتركك فجأةً غارقًا في الدمع دون حيلة، غير متأكدٍ للحظة في أي عقدٍ من الزمن أنت واقف.

تراثٌ مُقطّر

تحمل القوارير نفسها تراثًا. فحرفة صانع العطر، الذي يعصر الأزهار والرتنجات في شيءٍ محمولٍ وباقٍ، من فنون المنطقة الهادئة. تحتفظ العائلة بقارورةٍ نصف ممتلئة طويلًا بعد رحيل من كان يتعطّر بها، لا لأن السائل ثمين بل لأنه أقرب ما يكون إلى إبقاء حضوره في البيت. وإنهاؤها يبدو كوداعٍ ثانٍ.

ما الذي نخاطر بفقدانه

يهدد العطر المُنتَج بكميات هائلة هذا كله بطريقةٍ ناعمة تكاد لا تُرى. فحين يستطيع الجميع شراء العطر الشهير نفسه في أي مطار، يرقّ التوقيع الشخصي. والخطر ليس أن نكفّ عن طيب الرائحة. بل أن نكفّ عن أن تكون رائحتنا رائحتنا نحن، وأن قوارير أدراج المستقبل لن تحمل سوى ذكرى مركزٍ تجاري.

فاحتفظ بالقارورة الصغيرة، حتى حين تكاد تفرغ. إنها تؤدي عملًا لا يقدر عليه أي ألبوم صور. إنها تحفظ أصيلًا، وشخصًا، ونسخةً منك لم تعد تبلغها عبر أي طريقٍ آخر. وفي منطقةٍ عرفت دائمًا أن العطر ذاكرةٌ يمكن استنشاقها، قد تكون أصغر قارورة هي أصدق أرشيفٍ نملكه.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.