رأي . Souk Weekly
العود في زمن البثّ
آلة صُنعت للغرفة الحميمة صارت تنافس على الانتباه في قائمة تشغيل عالمية لا تنتهي

صُنع العود لغرفة صغيرة. بطنه المستدير وعنقه الخالي من الدساتين صُمّما ليُسمعا عن قرب، في سكون مجلس يستطيع فيه عازف واحد أن يثني نغمة حتى تميل الغرفة كلها لتتبعها. تجد هذه الآلة نفسها الآن على قائمة التشغيل اللانهائية ذاتها التي تضم كل شيء آخر على الأرض، على بعد نقرات من نشيد ملعب وأغنية بوب صُنعت في استوديو بعيد. أتساءل كيف يُفترض بهمسة أن تنجو في مكان بُني للصراخ.
آلة الألفة
أن تسمع العود حق سماعه يعني أن تجلس قربه. لا يجهر كالبوق ولا يلحّ كالطبل. يهمس، وجماله يعيش في المسافات الصغيرة بين النغمات، في ارتعاشة وتر ما زال يقرّر أين يستقر. المقام، ذلك الطور اللحني الذي يمنح الموسيقى العربية مزاجها الموجع، ينبسط ببطء ويكافئ مستمعاً يبقى. كانت موسيقى لأناس يملكون الوقت ليتأثروا، في غرفة يسمح هدوؤها بذلك.
قائمة التشغيل لا صبر لها
البثّ عالم مختلف تماماً. يقيس النجاح بالثواني قبل أن يتخطى المستمع المقطوعة، ويكافئ الأغنية التي تخطف الانتباه في نفَسها الأول. أما التقسيم الطويل المتعرّج، ذلك الافتتاح المرتجل الذي يتحسّس فيه العازف طريقه إلى المقام، فهو تحديداً ما يمرّ عليه إبهام مشتّت متخطياً. الآلة التي تطلب الصبر تلتقي جمهوراً دُرّب على ألا يملكه. وهذه ليست مباراة عادلة.
النعمة الخفية في الطوفان
ومع ذلك فإن التقنية نفسها التي تهدد العود قد حملته أيضاً أبعد مما استطاعت أي قافلة. مراهقة في بلد لا تقليد حياً فيه للعود تستطيع الآن أن تسمع معلّماً يعزف، أن تجد الدروس، أن تطلب الآلة عبر الإنترنت وتعلّم نفسها. البثّ طوفان، والطوفان يُغرق ويروي في آن. لم يُتَح في التاريخ لعدد أكبر من الناس أن يعثروا على هذا الصوت مصادفة. السؤال الوحيد هو ما إذا كانوا سيتوقفون طويلاً بما يكفي ليسمعوه.
أيدٍ جديدة على أوتار قديمة
أكثر العازفين إثارةً للأمل ممن أسمعهم لا يحاولون حفظ العود تحت زجاج. يدمجونه في سياقات جديدة، يضعونه في مواجهة نسائج إلكترونية، يدَعونه يحاور آلات من تقاليد أخرى. ينكمش المتشددون، وأفهم انكماشهم. لكن كل تقليد حي نجا بالتكيف، والعود ظل يمتصّ مؤثرات جديدة ألف عام. الفن الذي يرفض التغيّر لا يبقى نقياً. إنه ببساطة يتوقف عن التنفس.
أن نتعلم الإصغاء من جديد
ربما لم يكن الكائن المهدد حقاً هو الآلة بل المستمع. لا يحتاج العود إلى إنقاذ بقدر ما نحتاج نحن إلى إعادة تدريب على المهارة المفقودة: مهارة أن نمنح شيئاً واحداً كامل انتباهنا. أن تجلس مع مقطوعة واحدة من أولها إلى آخرها، والهاتف مقلوب على وجهه، صار الآن فعلاً شبه ثوري. الآلة المصنوعة لغرفة هادئة تطلب منا أن نبني تلك الغرفة الهادئة من جديد، ولو لطول أغنية.
لا أخشى أن يختفي العود. صوته أقدم وأعمق من أن يُحذف. ما أخشاه هو أن يظل يعزف بينما يتذكر عدد أقل فأقل منا كيف يُصغون. لن يقوم البثّ بذلك العمل نيابة عنا. تستطيع الآلة أن تقدّم الهمسة، لكن لا بد لأحد ما، في غرفة هادئة ما، أن يميل مقترباً بما يكفي ليسمعها.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.