العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

رأي . Souk Weekly

المحادثة الجماعية صارت المجلس الجديد

اللقاء الذي كان يملأ غرفة يوماً بات يتكشّف اليوم في شاشة تُمرَّر، للأفضل وللأسوأ

بقلم Lena Holloway3 دقيقة قراءة

حُدِّث

The Group Chat Became the New Majlis. Souk Weekly opinion.

أجمل غرفة في بيت جدّي لم تكن مخصّصة للعائلة بل للضيوف: مجلس طويل مفروش بالسجاد ومحفوف بالوسائد، يأتيه الجيران دون موعد ويبقون حتى تبرد القهوة. لا تزال تلك الغرفة موجودة في كثير من بيوت الخليج، غير أن الجمع قد تناقص لأن الحديث انتقل إلى الإنترنت. صار اللقاء الآن يسكن داخل مستطيل من الزجاج، في محادثة جماعية لا تنام أبداً.

كان للمجلس ساعاته. تأتيه بعد صلاة العصر أو في برد المساء، وينتهي اللقاء حين ينهض المضيف ليودّعك. أما المحادثة الجماعية فلا ساعات لها البتة. ينشر ابن العم نكتة عند الفجر، ويجيب عمّ عن سؤال في منتصف الليل، وتبقى القصيدة التي شاركها أحدهم عائمة هناك لمن يستيقظ باكراً. هذه أعجوبة صغيرة وطغيان هادئ في آن، فالغرفة التي لا تستطيع مغادرتها أبداً ليست تماماً غرفة تستطيع أن ترتاح فيها.

في المجلس القديم، كانت الأقدمية تضبط علوّ الصوت. يتكلّم أكبر الرجال سنّاً أولاً وأطولهم، ويتعلّم الصغار بالإصغاء من الأطراف. المحادثة الجماعية تخلط هذا الترتيب بلطف. فخالة نادراً ما رفعت صوتها في غرفة مزدحمة صارت الآن ترسل أطول الرسائل جميعاً، وابن أخ خجول يعيد إرسال الخبر الذي يردّده الجميع بحلول المساء. لقد تسلّل شيء ديمقراطي. وتسلّل معه شيء أكثر ضجيجاً، لأنه حين يجوز للجميع أن يتكلموا معاً، يبدأ فنّ إمساك اللسان بالتلاشي.

أكثر ما أفتقده هو الصمت بين العبارات. في مجلس حقيقي، كان للوقفة الجيدة معنى: رشفة القهوة، وإعادة ملء الفنجان ببطء، واللحظة التي تسبق إجابة كبير عن سؤال دقيق. النص لا صبر له على ذلك. فردّ يستغرق ساعة يُقرأ إهانةً، والنقاط الرمادية الصغيرة التي تُظهر أن أحدهم يكتب تحيل الفكرة إلى أداء. لقد استبدلنا ببلاغة الانتظار قلقَ اللحظة.

عائلتي متفرّقة اليوم في ثلاث قارات، كحال كثير من عائلات الخليج وجنوب آسيا، والمحادثة هي المجلس الوحيد الكبير بما يكفي ليسعنا جميعاً. مولود في كراتشي، وتخرّج في تورنتو، وجنازة في الشارقة: الشاشة الصغيرة نفسها تحمل الحلوى والحزن. لقد تعلّمت الغرفة أن تسافر، وهذه ليست رحمة صغيرة للمنفيين والمتباعدين.

الخطر ليس التقنية بل نسياننا. إن صارت المحادثة الجماعية هي المجلس الوحيد، خسرنا الأشياء التي لا تستطيع الشاشة أن تنقلها: رائحة الهيل، وثقل يد على كتفك، والطريقة التي يعلّم بها البيت الأطفال كيف يجلسون بين كبارهم. العائلات الحكيمة التي أعرفها تحتفظ بالاثنين معاً. يتجادلون طوال الأسبوع في المحادثة، ثم يوم الجمعة يقلبون الهواتف على وجوهها ويملأون الغرفة الحقيقية.

لعلّ هذه هي المهمة الهادئة الماثلة أمامنا: لا أن ننعى المجلس القديم ولا أن نعبد الجديد، بل أن نتذكّر أن الضيافة لم تكن يوماً عن الغرفة حقاً. كانت عن الاستعداد لأن نخصّص وقتاً بعضنا لبعض. وسواء أُنفق ذلك الوقت على سجادة أم في شاشة تُمرَّر، فلا بدّ من تقديم القهوة، ولا بدّ لأحدهم أن يبقى حتى تبرد.

صارت المحادثة الجماعية المجلس الجديد، فضاءً يلتقي فيه التقليد بالتقنية، حيث تجد العادات القديمة أشكالاً جديدة لكنها تخاطر بفقدان جوهرها في الطريق. والتحدي أمام من يقدّرون العالمين معاً هو أن يبقوهما متشابكين دون أن يدعوا أحدهما يطغى على الآخر تماماً.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.