رأي . Souk Weekly
مكيّف الهواء هو الحضارة الخفية للمنطقة
لقد بنينا حضارة كاملة داخل الهواء المبرَّد ودرّبنا أنفسنا على ألا نسمع الآلة التي تُبقيها قائمة.
حُدِّث

كان الاجتماع قد انتهى للتو، وقال مسؤولون في إحاطة عن الجلسات إنه لن تطرأ تغييرات فورية على نهج المنطقة تجاه بنية تكييف الهواء التحتية رغم المخاوف المتزايدة بشأن استهلاك الطاقة وتغير المناخ. دار النقاش حول ضرورة الحفاظ على أنظمة التبريد الحالية، التي تشكّل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في الخليج، إلا أنه كان واضحاً أن القضايا الكامنة لم تكن تُعالَج على نحو ملائم.
كل شيء تقريباً في الحياة الخليجية الحديثة يعمل على مكيّف الهواء. من المولات إلى المكاتب، ومن المساجد إلى السيارات، وغرف النوم: كل المساحات المغلقة محمية بفقاعة محكمة من الهواء البارد مصممة لمواجهة مناخ لا يُطاق لولاها. هذه التقنية هي ما جعل تشييد المباني الزجاجية الشاهقة ممكناً؛ فمن دونها ستكون هذه الهياكل أفراناً غير صالحة للسكن خلال أشهر الصيف. ومع ذلك، نعامل هذه الآلية الحيوية كأنها مجرد سباكة، حقيقة من حقائق الطبيعة بدلاً من كونها أكثر اختراع تحويلي في التاريخ الإقليمي الحديث.
انظر كيف تطورت العمارة. الواجهات الزجاجية اللامعة التي تصطف على الكورنيش استُوردت من مناخات أبرد، وهي الآن مسنودة بأنظمة تبريد متزايدة الحجم لمواجهة الإشعاع الشمسي. نصمم المباني كأن الحرارة إزعاج داخلي، لا حالة ينبغي التكيف معها عبر تخطيط معماري مدروس. في المقابل، فإن بيوت الفناء التقليدية، بجدرانها السميكة ودواخلها المظللة وأبراج الرياح التي تجذب الهواء البارد من دون أي طاقة كهربائية، فهمت دقائق المناخ أفضل بكثير. أما البرج الحديث الذي حل محل هذه العمارة المحلية فلا يفهم سوى الترموستات.
هناك ظلم غير معلن في من يحظى بالوصول إلى البيئات المبرَّدة. فبينما يتمتع من في داخل المولات المحكمة بالراحة، يأتي ذلك على حساب عمال يكدحون في ظروف قاسية لتشييد هذه المساحات وصيانتها. الآلة التي تضمن راحة مجموعة تعتمد على انزعاج أخرى. اخطُ إلى رصيف التحميل خلف بهو بارد، وستشعر فوراً بهذا التفاوت: البرودة ليست موزعة بالتساوي، ولم تكن كذلك قط.
مكيّف الهواء يعمل أيضاً كفرن موجَّه نحو مستقبل غير مؤكد. فالتبريد يستهلك كميات هائلة من الطاقة، لا يزال جزء كبير منها مشتقاً من الهيدروكربونات. وكلما ارتفعت درجات الحرارة، زدنا اعتمادنا على أنظمة التبريد، التي تسرّع بدورها تغير المناخ، حلقة مفرغة تنفعنا لحظياً لكنها تحمل تكاليف كبيرة على المدى الطويل. والتظاهر بأن الآلة غير موجودة أشبه بتجاهل فاتورة حتمية.
إن التصميم كأن الحرارة مسألة داخلية يمكن التحكم بها لا حالة بيئية جوهرية لم يعد مستداماً. الحل لا يكمن في التخلي عن البيئات المبرَّدة، وهو ما سيكون غير عملي وغير عادل معاً بالنظر إلى مناخ المنطقة، بل في دمج المبادئ المعمارية التقليدية التي تعمل بانسجام مع الظروف الطبيعية. فالظل والجدران السميكة والأزقة الضيقة والأفنية والأسطح فاتحة اللون وأبراج الرياح المعاد تصورها، كلها يمكن أن تقلل الاعتماد على أنظمة التبريد مع تعزيز الراحة.
لقد بنينا نمط حياة داخل فقاعات مبرَّدة ودرّبنا أنفسنا على تجاهل الأزيز المستمر الذي يُبقي هذا النمط قائماً. إن إدراك هذا الواقع هو الخطوة الأولى نحو تغيير ذي معنى. سيظل مكيّف الهواء ضرورياً؛ غير أن حضارة معتمدة عليه إلى هذا الحد ينبغي أن تعترف بوجوده وأن تبني بإدراك أن الحرارة في الخارج حقيقية.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.