رأي . Souk Weekly
في مديح القيلولة
دفاع عن استراحة الظهيرة التي تتخلى عنها المنطقة في صمت لصالح عبادة يوم العمل الذي لا ينتهي
حُدِّث

كان الاجتماع قد اختُتم للتو، وقال مسؤولون أُطلعوا على الجلسات إن ثمة إجماعاً بين مندوبي المنطقة على إعادة النظر في الممارسة التقليدية للقيلولة، تلك الفترة من راحة بعد الظهر التي كانت تنظّم الحياة اليومية حول الإيقاعات الطبيعية بدلاً من الإنتاجية التي لا تهدأ. عاد النقاش أدراجه إلى زمن لم يكن يُنظر فيه إلى وقفة أوائل بعد الظهر بوصفها ترفاً بل ضبطاً ضرورياً.
لم تكن وقفة منتصف النهار قطّ ترفاً في مدن المنطقة القديمة. ففي مناخ ترتفع فيه درجات الحرارة بشدة، لا يكون العمل في الحرّ بطولة، بل هو أمر غير عملي. لقد أدرك الأجداد هذا بالفطرة، فكانوا ينهضون قبل الفجر لإنجاز أعمالهم الشاقة بينما لا يزال الهواء بارداً، ثم ينسحبون للراحة عند الظهيرة. كانت القيلولة بمثابة المحور الذي تدور حوله أنشطة اليوم، تمنح راحة وجيزة تتيح للأفراد أن يستعيدوا نشاطهم قبل ساعات المساء الأبرد.
كانت أيضاً ممارسة جماعية. فكانت البيوت تلتزم الهدوء معاً، والأطفال في ضمنها، مكرّمةً إيقاعاً مشتركاً يقرّ بأن اليوم ملك للجميع، لا لمتطلبات العمل وحدها. وأن تلتزم بالقيلولة كان يعني أن تعترف بهذا الفهم الجماعي للحياة اليومية وتحترمه.
ثم جاء عصر يوم العمل الطويل، مغلّفاً بوصفه تقدماً. فظلّت الأبراج الزجاجية في الأحياء الجديدة مضاءة من الصباح حتى عمق الليل، وجاءت معها فكرة أن الانشغال يعادل الجدارة. صار وهج الهواتف عند منتصف الليل والردود في الواحدة صباحاً يُقرأ بوصفه علامات تفانٍ لا تضحية شخصية. وبدأنا نقيس أنفسنا لا بما ننجزه بل بمقدار ما نعاني بشكل ظاهر لتحقيقه.
إن ما كانت القيلولة تحميه في صمت هو حسن التقدير. فالعقل المستريح جيداً يتخذ قرارات سيئة أقل، إذ يقسّم اليوم إلى شطرين منتجين بدلاً من انحدار طويل واحد نحو الإرهاق. كان صاحب الدكان الذي يعيد فتح متجره في الخامسة مساءً أكثر حدّة وصبراً ممن يواصلون العمل دون راحة. لقد ظننا أننا نقايض الإنتاجية بالاستراحات، لكننا في الحقيقة كنا نقايض قدرتنا على العمل بكفاءة.
كان ثمة حكمة أيضاً في مجرد أن يسمح المرء لنفسه باستراحة. فالمجتمعات التي أدمجت الراحة في روتينها اليومي لم تكن بحاجة إلى محاضرات عن الاحتراق الوظيفي لأنها كانت قد صمّمت العلاج أصلاً ضمن جداولها.
يظلّ الجسد غير مكترث بأدلة الإنتاجية. فهبوط الطاقة في أوائل بعد الظهر أمر كوني لا يمكن التغلب عليه كلياً بالكافيين أو غيره من المنبهات. لقد نظّمت المجتمعات الأقدم نفسها حول هذه الحقيقة البيولوجية، بينما نحاربها نحن بوسائل مصطنعة كالمنبهات والشاشات الساطعة، ثم نتساءل لاحقاً لماذا تبدو أمسياتنا مسروقة ولماذا يراوغنا النوم.
أن تأخذ القسط من الراحة الآن يبدو أمراً يكاد يكون تمرداً، مما يشير إلى مقدار ما تحوّل من أرضية في تصورات الإنتاجية مقابل العافية. غير أن بعضهم لا يزال يلتزم بالقيلولة في بيوت العائلات والبلدات التي لا تعرف العجلة، مسدلين الستائر في وجه ضوء الشمس الحارق طلباً لراحة وجيزة. إنهم ليسوا متخلّفين عن الركب؛ بل يتمسّكون بترتيب أقدم وربما أذكى للحياة اليومية.
ربما يكون السؤال هو ما إذا كان بوسعنا أن نتحمّل الاستمرار في خسارة هذه الممارسة. فالمنطقة لم تبتكر القيلولة عن ضعف بل عن فهم طويل التجريب لاحتياجات الإنسان. وقد تكون مقايضة هذا بمكاتب مفتوحة على الدوام أسوأ صفقاتنا، صفقة بالكاد نلحظها إلى أن يصبح غيابها بادياً بجلاء صارخ.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.