العالم . Souk Weekly
المحيط الهندي يعود بهدوء ليصبح مركز العالم من جديد
كان المحيط الذي يربط الخليج وشرق أفريقيا وجنوب آسيا قلب التجارة لقرون، وها هو يعود بهدوء إلى ذلك الدور

ثمة نوع من الخرائط معلق في مكاتب الشحن من ممبسة إلى كراتشي، وهو لا يضع أوروبا في المنتصف، بل يضع الماء. يمتد المحيط الهندي عبره كفناء مشترك، يتكئ عليه الخليج وشرق أفريقيا وجنوب آسيا من جهاته الثلاث. ولقرنين من الزمن عومل هذا الفناء كمساحة بين أماكن أكثر أهمية، كممر إلى مكان آخر. لكنه يعود اليوم ليصير وجهة من جديد، والعائلات التي لم تتوقف يوماً عن التجارة عبره ليست متفاجئة كثيراً.
كان المحيط دوماً حياً وجواراً
قبل وقت طويل من ظهور الحاوية وبوليصة الشحن، كانت الرياح الموسمية تضبط جدولاً زمنياً يطيعه التجار. حملت المراكب الخشبية التمر واللؤلؤ غرباً، وعادت بالخشب والقماش والأرز. كان بوسع تاجر في مرفأ غجراتي أن يخبرك بسعر الهيل في زنجبار وبمزاج السوق في البصرة. عبر الائتمان الماء على الثقة وعلى مفردات مشتركة، وكذلك فعلت الزيجات والوصفات وأضرحة الأولياء. لم يكن المحيط فارغاً قط، بل كان جواراً ذا ذاكرة طويلة.
لماذا تعود الجاذبية إليه
ما برح مركز ثقل العالم الاقتصادي ينجرف جنوباً وشرقاً منذ جيل، والمحيط الهندي يقع تماماً تحت هذا الثقل الجديد. فالطاقة التي كانت تتدفق نحو العواصم الغربية تتحرك اليوم نحو المصانع والمدن الآسيوية. وتتشكل أسواق المستهلكين على طول ضفافه أكثر مما تتشكل عبر شمال الأطلسي. وحين يجتمع معظم سكان العالم، وأسرع طلباته نمواً، وحصة كبيرة من وقوده حول مسطح مائي واحد، تتبع طرق الشحن ذلك، ويتبعه اهتمام الحكومات.
الخليج يلتفت جنوباً وشرقاً
بالنسبة لدول الخليج، هذا أقرب إلى عودة إلى الديار منه إلى تحول. فالموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية تُبنى وتُشترى على طول الساحل الأفريقي والشريط البحري لجنوب آسيا، والبضائع التي تمر بها متجهة على نحو متزايد إلى الجوار نفسه لا إلى أوروبا. لقد أدركت مدن الغوص القديمة أن ثرواتها مرتبطة بالماء وبالناس على ضفته الأخرى. وها هم خلفاؤها يعيدون تعلم الدرس بالرافعات والمناطق الحرة بدلاً من الأشرعة.
فناء مزدحم
لا شيء من هذا خالٍ من الاحتكاك. فالمضائق نفسها التي تمنح المحيط قيمته تجعله هشاً، وقد يتردد صدى نقطة اختناق واحدة متنازع عليها في كل جدول مواعيد. تحتفظ بحريات خارجية بقواعد على طول الضفاف، ويُتنازع بهدوء على مصايد الأسماك، ووجدت العداوات القديمة تعبيراً بحرياً جديداً. الجوار الذي يكتسب أهمية يجتذب زواراً لا يطرقون الباب دوماً. والماء الذي يصل بين الناس يركّز الخطر أيضاً.
ما يتذكره الساحل
ما يلفت زائر أي من هذه السواحل هو كم يبدو هذا كله غير جديد على من يعيشون هناك. فمفردات التجارة، والوجوه المختلطة في السوق، وابن العم الذي يعمل في وظيفة على بعد بلدين: كل ذلك موروث لا مبتكر. تصف أوراق السياسات مسرحاً ناشئاً، أما الساحل فيسميه وطناً.
كانت الخريطة في مكتب الشحن محقة طوال الوقت. ولفترة رسم العالم نفسه حول مياه أخرى، وعامل هذه المياه كهامش. الهامش يعود الآن إلى المنتصف، والمفاجأة الوحيدة هي أن أحداً ما يتفاجأ.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.