العالم . Souk Weekly
ممرات هجرة العمالة والمدن التي تبنيها بهدوء
حركة العمال بين جنوب آسيا والخليج ترفع ناطحات السحاب على ضفة وتُبقي بلدات بأكملها على قيد الحياة على الضفة الأخرى

كل أفق مدينة في الخليج هو، إن دققت النظر، مدينتان في آن واحد. هناك المدينة التي في الكتيبات الدعائية، كلها زجاج وطموح، وهناك المدينة التي بنتها، الواصلة على متن رحلات من كوتشي وداكا ولاهور بحقيبة واحدة وعقد عمل مطوي في جيب القميص. لا تظهر المدينة الثانية على البطاقة البريدية. وهي تدفع ثمن الأولى مرتين: مرة بالعمل الذي يرفع الأبراج، ومرة أخرى بالمال الذي ترسله إلى الوطن.
الممر بوصفه بنية تحتية
ممر الهجرة حقيقي كأي طريق، وإن لم يظهر على خريطة. يمر عبر مكاتب الاستقدام في بلدات جنوب آسيا الصغيرة، وعبر الفحوص الطبية وأختام التأشيرات، وعبر رحلات الطيران الاقتصادية التي تمتلئ قبل الفجر، وعبر منافذ التحويلات المالية التي تبقى مفتوحة حتى وقت متأخر يوم الراتب. يتحدث الناس عن هذه الطرق كأنها معالم طبيعية، كما يتحدث المرء عن نهر. وكثيراً ما يعرف شاب من بلدة في كيرالا أو البنجاب الطريق قبل أن يسلكه، لأن عماً وجاراً سلكاه قبله.
المدينة التي يبنيها المال في الوطن
عند الطرف البعيد من الممر، يتجلى الأثر في الإسمنت. يدفع التحويل المالي تعليم شقيق أصغر، ثم زيارة عيادة، ثم زفافاً، ثم منزلاً بسطح مستوٍ لطابق لاحق لم يبنه أحد بعد. تعيش أحياء بأكملها على هذا الدخل، تموّل متاجرها ومقاوليها وخياطيها بهدوء أبناء وبنات يعملون على بعد آلاف الأميال. البلدة التي تخلو من شبانها في موسم تمتلئ بأرباحهم في الموسم التالي. إنها تنمية بلا وكالة تنمية.
الأفق الذي يرتفع على سنوات مُعارة
عند الطرف القريب، يرفع الممر نفسه الأبراج التي يصورها الجميع. الرجال الذين يصبّون الإسمنت ويعلّقون الزجاج يعيشون في مساكن جماعية عند أطراف المدينة، ويقيسون إقامتهم لا بالأماكن التي زاروها بل بالسنوات التي أرسلوها. يبنون مراكز تسوق قد لا يتسوقون فيها أبداً وشققاً لن يستأجروها قط. الأفق، بمعنى حقيقي، تصدير لصبرهم. من السهل الإعجاب بالنتيجة ونسيان حساب الفراق الذي أنتجها.
تبعية متبادلة في الاتجاهين
تربط هذه العلاقة الطرفين أوثق مما يحب أي منهما أن يعترف. فالاقتصادات المضيفة تحتاج إلى الأيدي، واقتصادات الوطن تحتاج إلى المال، والعمال، في الوسط، يحتاجون إلى العمل. وهذه الحاجة المتبادلة هي أيضاً انكشاف متبادل. فركود في مكان يصبح أزمة متاجر خاوية في مكان آخر، وتغيير في قوانين العمل قد يعيد ترتيب أرزاق عائلات لن تقرأ أبداً اللائحة التي فعلت ذلك.
حساب العودة
يُفترض بمعظم هذه الرحلات أن تكون مؤقتة، بضع سنوات تُقايَض بحياة أفضل في الوطن. بعضها كذلك بالفعل. يعود عامل بمدخرات، وبمهنة تعلمها في ورشة، وبثقة لم تودّعه بها البلدة. وآخرون يجدون السنوات القليلة تمتد لتشمل معظم عمر العمل، ويصبح الوطن الذي كانوا يكسبون من أجله مكاناً يزورونه في الغالب. الممر يعطي والممر يأخذ، ونادراً ما يعلن أيهما ينوي.
انظر مرة أخرى إلى أي أفق خليجي وسترى المدينتين إن أردت. صمم المهندسون واحدة. أما الأخرى فجمّعها الواصلون، حقيبة تلو حقيبة، وسنة تلو سنة، وتمتد بلا أن تُرى عبر المحيط إلى البلدات التي تُبقيها حية. تُظهر البطاقة البريدية نصف الصورة فقط. أما النصف الآخر فعلى متن رحلة عودة إلى الوطن وأجره مطوي في جيب قميصه.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.