السياسة . Souk Weekly
صندوق الثروة السيادية أهدأ دبلوماسيي المنطقة
حصص في أندية وموانئ وشركات تقنية أجنبية تؤدي عملاً دبلوماسياً لا تقدر عليه أي سفارة، وتطرح أسئلة مختلفة

السفارة تعلن عن نفسها. ترفع علماً، وتقيم حفلات استقبال، وتقدّم احتجاجات، وتشغل مبنى مهيباً يُقصد أن يُرى. أما صندوق الثروة السيادية فيفعل العكس. يتحرك في العالم بالبدلات لا بالأزياء الرسمية، ويتكلم بلغة الحصص ومقاعد مجالس الإدارة والعوائد الفصلية. ومع ذلك، عبر العقدين الماضيين، صارت صناديق المنطقة الكبرى من أكثر دبلوماسييها فاعلية، تدير سياسة خارجية لا تحتاج إلى سفير ولا معاهدة ولا إلى كثير من الشرح. إنها تشتري، وبالشراء تنتمي.
دبلوماسية بلا علم
حصة في ميناء أجنبي، وبرج في عاصمة غربية، وشريحة من شركة تقنية شهيرة: كل واحدة من هذه استثمار، وكل واحدة منها أيضاً علاقة. فما إن يملك صندوق قطعة ذات شأن من اقتصاد بلد آخر، حتى ترتبط الأمتان بهدوء بطريقة لا يضاهيها أي بيان. المال يخلق مصلحة، والمصلحة تخلق اهتماماً، والاهتمام هو المادة الخام للنفوذ. هذه حنكة دولة تُمارَس عبر جدول بيانات، ولا تطلب شيئاً فجاً كالامتنان. إنها ببساطة تجعل البلد المضيف يهتم.
نادي كرة القدم والقوة الناعمة
لا شيء يجسّد الأسلوب أفضل من شراء نادٍ رياضي شهير. ففي ليلة وضحاها تكتسب أمة بعيدة مكاناً دائماً في وجدان ملايين المشجعين، وفي خصوماتهم، ممن لم يكونوا ليجدوها على خريطة قبل أسبوع. والنتيجة اعتراف من نوع لا يستطيع المال عادة شراءه مباشرة: اسم في العناوين، وشعار على قميص شهير، ومقعد إلى طاولة بنتها قوى أقدم. يسمّيه المنتقدون تلميعاً للصورة؛ ويسمّيه المدافعون عنه ترويجاً عادياً لاسم الأمة. وكلاهما يصف المقايضة الهادئة نفسها: رأس المال مقابل المكانة.
مجموعة أسئلة مختلفة
ما يجعل الصندوق دبلوماسياً غريباً هو السؤال الذي يطرحه. فالسفير يسأل عما يخدم المصلحة الوطنية هذا العام. أما الصندوق، بحكم طبيعته، فيسأل عما سيبقى قائماً بعد جيل. عليه أن يفكر بالعقود، لأن ذلك هو الأفق الذي يُراد لماله أن ينمو عليه، فينتهي به الأمر إلى المراهنة على المستقبل البعيد لبلدان أخرى: طاقتها وموانئها ومواهبها. هذا الصبر قوة حقيقية، وهو أحياناً يجرّ حكومةً نحو التفكير لمدى أطول مما تفعله سياستها بطبعها.
نفوذ من يُحتاج إليه
ثمة قوة في امتلاك رأس مال يرغب فيه الآخرون، خصوصاً في مواسم ندرته. فالصندوق القادر على تحرير شيك كبير أثناء انكماش يكسب ترحيباً لا تستطيع الجيوش كسبه، ويأتي الترحيب مع وصول إلى الوزراء وإلى الصفقات وإلى الغرفة التي تُتخذ فيها القرارات. هذا هو النفوذ الناعم الموثوق لمن يُحتاج إليه. نادراً ما يتصدّر الأخبار، وهذا بالضبط سبب نجاحه، وقد أعاد بهدوء ترتيب علاقات المنطقة بعواصم أقوى منها بكثير.
حين يصير الاستثمار رهينة
للأسلوب ثمن، وهو يجري في الاتجاهين. فالصندوق المتغلغل في عمق اقتصاد بلد آخر معرَّض أيضاً لمزاج ذلك البلد ومحاكمه وسياسته واستيائه العرضي من أن يُملَك. يمكن تجميد الأصول، ويمكن منع الصفقات بحجج الأمن القومي، ويمكن أن تتحول صفقة مُحتفى بها إلى خصومة علنية. والاستثمار نفسه الذي يشتري النفوذ قد يصير رهينة للحظ، والدبلوماسي الصبور يتعلم أن الانتماء إلى مكان يعني أن تصير عرضة للتأثر به.
إذن أهدأ دبلوماسيي المنطقة يعمل بلا علم ولا منصة، يقنع عبر الملكية لا عبر الحجة، ويطرح الأسئلة الطويلة التي نادراً ما تملك السفارات صبر طرحها. إنه أداة ذات مدى مذهل وحدود حقيقية، قادرة على شراء مقعد إلى أي طاولة تقريباً، وعاجزة عن ضمان ما يحدث بعد أن تجلس. سيواصل الصندوق عمله الصبور، بعيداً عن الأنظار في الغالب، وسنواصل نحن البقية الاستهانة بمقدار ما صار يُكتب اليوم من سياسة المنطقة الخارجية بلغة الصفقة.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.