العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

رأي . Souk Weekly

نُفرط في بناء الأبراج ونُقصّر في بناء الظلّ

في منطقة تزداد حرّاً، الترف المدني النادر ليس الارتفاع بل الظلّ

بقلم Diego Arroyo2 دقيقة قراءة
We Are Over-Building Towers and Under-Building Shade. Souk Weekly opinion.

قِف عند سفح أي حيٍّ جديد في الخليج عند الثانية بعد الظهر فستلاحظ أمرين دفعةً واحدة: الأبراج باذخة، ولا مكان للوقوف. تتسلق المباني بثقة نحو الضباب، كلها زجاج وطموح، بينما يبحث المارّ في الأسفل عن الشريط الرفيع الوحيد من الظلّ كما كان المسافر في الحكايات القديمة يبحث عن الماء. لقد تعلّمنا البناء نحو الأعلى بسرعة مذهلة، وكدنا ننسى كيف نبني للسائر على قدميه.

الحضارة التي فهمت الشمس

وهنا تكمن الغرابة، فالمنطقة عرفت هذا يوماً أكثر من أي أحد. كانت المدينة القديمة آلةً لصناعة الظلّ. تتمايل الأزقّة الضيقة بعضها نحو بعض لتقي السائر من الشمس. وتسحب الأبراج الهوائية الهواء البارد إلى الغرف. الأفنية، ومشربيات النوافذ، والجدران الطينية السميكة، والسوق المسقوف حيث تقطع ميلاً من البضائع دون أن تشعر بالوهج: كل ذلك كان تقنية ظلٍّ متطورة وغير مبهرجة، صُقلت عبر القرون.

ثم جاء المكيّف والسيارة، فقررنا أننا لم نعد بحاجة إلى التفاوض مع الشمس. سننعزل عنها ببساطة. والنتيجة بيئة مبنية تعمل على نحو بديع ما دمت لا تخرج إلى الخارج أبداً، وتعاقبك في اللحظة التي تخرج فيها.

السائر فكرةٌ لاحقة

خطّ الأفق صورة فوتوغرافية، أما الرصيف فتجربة. لقد بالغنا في التحسين لأجل الأولى وأهملنا الثانية. صُمّمت الأحياء الجديدة لتُرى من بعيد أو من سيارة، لا لتُقطع سيراً. المعابر طويلة، والمظلات نادرة، وتُعامَل الأشجار زينةً لا بنية تحتية، ويُترك الفراغ بين المباني، حيث تجري الحياة العادية فعلاً، ليُشوى تحت الشمس.

الظلّ منفعة عامة

البرج ثروة خاصة جُعلت مرئية. أما الظلّ فمنفعة عامة، والمنافع العامة هي بالضبط ما تُقصّر السوق في إنتاجه إذا تُركت لنفسها. لا مطوِّر يُكافأ على راحة الغريب الذي يعبر الشارع خارج حدود قطعته. تلك مهمة المدينة، وكثيراً ما اكتفت المدينة بإجازة البرج ونسيان الفجوة بينهما. ومع طول فصول الصيف واشتدادها، تكفّ هذه الفجوة عن كونها شكوى جمالية وتصير سؤالاً عمّن يستطيع أصلاً أن يتنقل في المدينة سيراً.

التصميم للجسد لا لبطاقة بريدية

العلاج ليس غريباً. إنه الأروقة والأعمدة، والنتوءات العميقة، وأشجار الشوارع الكثيفة، والأزقّة المظللة الضيقة، والماء والخضرة حيث يسير الناس لا حيث تصوّر الطائرات المسيّرة. لا شيء من هذا يفوز بجوائز العمارة. وكل ذلك هو الفرق بين حيٍّ ينبض بالحياة على مستوى الشارع وآخر يُترَك للسيارات والوهج.

لا عار في الأبراج، فللطموح أن يشير نحو الأعلى. لكن المدينة تُقاس في النهاية لا بمدى علوّها، بل بما إذا كان شيخ مسنّ، وطفل، وعامل في استراحته يستطيعون عبورها في أغسطس دون معاناة. أمضت المنطقة قروناً تتعلم العيش بأناقة مع شمس لا ترحم، ثم أمضت عقوداً تنسى. الترف الذي ينبغي أن نتسابق لبنائه ليس ارتفاعاً قياسياً جديداً، بل رقعة ظلٍّ طويلة باردة جليلة.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.