رأي . Souk Weekly
نحن نُفرِط في بناء الأبراج ونُقصِّر في بناء الظل
في منطقة تزداد حرارة، ليست الرفاهية المدنية النادرة هي الارتفاع بل الظل
حُدِّث

قِف عند سفح أي حيّ جديد في الخليج عند الثانية بعد الظهر وستلاحظ أمرين: أن الأبراج فخمة، وأنه لا مكان تقف فيه. تتسلق المباني بثقة نحو الضباب، كلها زجاج وطموح، بينما يبحث المشاة عن الشريط الرفيع الوحيد من الظل وكأنهم يبحثون عن الماء في حكاية صحراوية.
عرفت المنطقة يوماً كيف تبني والشمس في الحسبان. كانت الأزقة الضيقة تتمايل بعضها نحو بعض لتُبقي المارّ في برودة، وكانت أبراج الرياح تجذب الهواء المنعش، وكانت الجدران السميكة تحجب الحر. وكان السوق المسقوف سوقاً يمتد ميلاً تستطيع أن تمشي فيه دون أن تشعر بوهج الشمس. كان كل ذلك تقنيةً للظل، غير برّاقة لكنها متقنة.
ثم جاء المكيّف والسيارة، فقرّرنا أننا لم نعد بحاجة إلى مفاوضة الشمس. سنكتفي بأن نعزل أنفسنا عنها. والآن تعمل بيئتنا المبنية على نحو رائع ما دمت لا تخطو إلى الخارج أبداً، وتعاقب كل من يفعل.
الأفق المعماري صورة فوتوغرافية، أما الرصيف فتجربة. لقد حسّنّا الأول بلا هوادة وأهملنا الثاني. فالأحياء الجديدة مصمَّمة لتُرى من بعيد أو من داخل سيارة، لا لتُمشى فيها. المعابر طويلة، والمظلات نادرة، والأشجار تُعامَل زينةً لا بنية تحتية، والفراغ بين المباني يُترك ليُشوى تحت الشمس.
الظل منفعة عامة، والمنافع العامة هي ما تميل الأسواق إلى بخس قيمته. لا يُكافأ أي مطوّر عقاري على راحة الغرباء العابرين للشوارع؛ فتلك مهمة المدينة. وكلما طالت فصول الصيف واشتدّت، توقّفت هذه الفجوة عن كونها شكوى جمالية وصارت سؤالاً عمّن يستطيع أصلاً أن يتنقّل في المدينة على قدميه.
الحل ليس غريباً. إنه الأروقة والممرات المقنطرة، والنتوءات العميقة، وأشجار الشوارع الكثيفة، والأزقة الضيقة المظللة، والماء والخضرة حيث يمشي الناس لا حيث تلتقط الطائرات المسيّرة الصور. لا شيء من ذلك يفوز بجوائز العمارة، لكنه جميعاً يجعل الحيّ صالحاً للعيش على مستوى الشارع بدلاً من أن يُترك للسيارات والوهج.
لا عار في الأبراج؛ فمن حق الطموح أن يشير إلى الأعلى. لكن المدينة لا تُقاس بمدى علوّها بل بما إذا كان بوسع رجل مسنّ وطفل وعامل في استراحته أن يعبروها في آب دون معاناة. أمضت المنطقة قروناً تتعلّم كيف تعيش برشاقة مع الشمس، ثم أمضت عقوداً تنسى.
الرفاهية التي ينبغي أن نتسابق إلى بنائها ليست ارتفاعاً قياسياً جديداً؛ إنها بقعة ظل طويلة باردة وذات كرامة.
النشرة الأسبوعية
بريدٌ واحد في الأسبوع.
ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.