العدد ٠١ ، يونيو ٢٠٢٦كلامٌ خفيف، عينٌ حادّة.

رأي . Souk Weekly

في مديح ليل رمضان الطويل

الشهر الذي يقلب الساعة رأساً على عقب يمنحنا إيقاعاً من الصبر والألفة تنساه بقية السنة

بقلم Marcus Okafor3 دقيقة قراءة
In Praise of the Long Ramadan Night. Souk Weekly opinion.

أحد عشر شهراً في السنة نطيع الساعة دون جدال. نستيقظ على المنبهات، ونأكل حين يسمح الجدول، ونقيس قيمتنا بعدد المهام التي ننجزها قبل حلول الظلام. ثم يأتي رمضان فيقلب الترتيب كله رأساً على عقب. يفرغ النهار ويمتلئ الليل، ولبضعة أسابيع تعود الساعات ملكاً لنا على نحو لا يسمح به سائر التقويم أبداً.

النهار مقلوباً

ثمة غرابة في عصر صائم صرت أحبها. تتباطأ المدينة. تصمت الشهية، ذلك المفاوض العالي الصوت الدائم، وفي صمتها تبدأ في ملاحظة أشياء: طول الضوء، والصبر الذي يتطلبه الانتظار، والمضايقات الصغيرة التي كنت لتخنقها عادة بلقمة. المعدة الفارغة نوع من الصفاء. تذكّرك، ساعة بعد ساعة، بأنك لست سيد حاجاتك.

المائدة التي تنتظر

ثم يأتي أذان المغرب، فينعكس الإيقاع كله. تمرة، رشفة ماء، ويتنفس البيت كله الصعداء معاً. ما أعتزّ به ليس الطعام نفسه بل أن الجميع انتظروا اللحظة ذاتها. في سنة من وجبات متفرقة تُؤكل على المكاتب وفي السيارات، الإفطار هو تلك المائدة النادرة التي تجلس إليها العائلة في وقت واحد، جائعين معاً، شاكرين معاً. الندرة، على نحو غريب، هي ما يمنح الوفرة معناها.

كرم الساعات المتأخرة

بعد الطعام، ينبسط الليل ببطء، دون الشعور بالذنب الذي يرافق السهر عادة. يزور الجيران. يمتلئ المسجد لصلاة التراويح الطويلة. يتنقل الأطفال الذين كان ينبغي أن يناموا بين أحضان الأقارب. ثمة رخاوة في ليالي رمضان، إحساس بأن الوقت أُعيد إلينا لننفقه على بعضنا لا على الإنتاجية. يمنحنا الشهر إذناً بأن نتمهل، ونادراً ما نمنح أنفسنا ذلك الإذن في غيره.

الصبر ممارسةً

يعلّمنا الصوم الصبر لا فكرةً بل عضلة. أن تشتهي وتنتظر، ثم تعيد الكرّة في اليوم التالي، هو تدريب يومي صغير على كل احتمال أكبر تطلبه الحياة. بحلول الأسبوع الثالث يكون الجسد قد كفّ عن التذمر وحلّ محله شيء أكثر ثباتاً. ألاحظ أنني ألطف في الزحام، أبطأ غضباً، أكثر تسامحاً مع من يتردد أمامي. الجوع، إذا أُحسن التعامل معه، يليّن الطبع الذي كان يُفترض أن يحدّه.

الشهر الذي تنساه السنة

ما يحزنني هو سرعة تلاشيه. في غضون أيام من عيد الفطر يعود الطغيان القديم: المنبهات، المكاتب، الوجبات التي تُؤكل وحيدةً وعلى عجل. نطوي سجادات الصلاة وننشر الجداول. إيقاع الصبر والألفة الذي بدا طبيعياً جداً لشهر يُعامل، في الأشهر الأحد عشر الباقية، كأنه ترف لا نقدر عليه.

لكنني أظن أن ليل رمضان الطويل يحاول أن يقول لنا شيئاً ظلّت السنة ترفض سماعه. أن الساعة أداة لا سيّد. أن الانتظار ليس وقتاً مهدوراً. أن أجمل الساعات كثيراً ما تكون تلك التي نقضيها ببساطة جالسين مع من نحب، دون عجلة للذهاب إلى أي مكان آخر. ينتهي الشهر، كما لا بد أن ينتهي. أما الدرس فليس مضطراً أن ينتهي.

النشرة الأسبوعية

بريدٌ واحد في الأسبوع.

ما يستحقّ، وما يُدهش، وما هو من نسيج السوق.